الثعالبي
48
جواهر الحسان في تفسير القرآن ( تفسير الثعالبي )
يقول ابن خلدون ( 1 ) : " إن القرآن نزل بلغة العرب ، وعلى أساليب بلاغتهم ، فكانوا كلهم يفهمونه ، ويعلمون معانيه في مفرداته وتراكيبه " . وقد سبقه أبو عبيدة معمر بن المثنى ، حين قال ( 2 ) : " إنما نزل القرآن بلسان عربي مبين ، فلم يحتج السلف ، ولا الذين أدركوا وحيه ، إلى النبي صلى الله عليه وسلم أن يسألوا عن معانيه ، لأنهم كانوا عرب الألسن ، فاستغنوا بعلمهم عن المسألة عن معانيه ، وعما فيه مما في كلام العرب مثله من الوجوه والتلخيص " . إلا أن هذا الاطلاق يعارضه قول عمر بن الخطاب للرسول صلى الله عليه وسلم ( 3 ) : " يا رسول الله ، إنك تأتينا بكلام من كلام العرب ، وما نعرفه ، ولنحن العرب حقا ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم : " إن ربي علمتني فتعلمت ، وأدبني فتأدبت " . كما يعارضه صريح القرآن ، إذ يقول تعالى : ( وأنزلنا إليك الذكر لتبين للناس ما نزل إليهم ) ( النحل : 44 ) . نعم . . إن هناك ألفاظا لم تستطع بعض القبائل العربية معرفتها ، ربما لعدم استعمالهم لها ، أو لاحتمال اللفظ عدة معان ، وكذا بعض آيات أشكل عليهم فهم معناها ، وذلك كسؤالهم النبي صلى الله عليه وسلم لما نزل قوله تعالى : ( الذين آمنوا ولم يلبسوا إيمانهم بظلم أولئك لهم الامن وهم مهتدون ) ( الانعام : 82 ) ، فقالوا : وأينا لم يظلم ؟ وفزعوا إلى النبي صلى الله عليه وسلم فبين لهم أن المراد بالظلم الشرك ، واستدل عليه بقوله تعالى : ( إن الشرك لظلم عظيم ) ( 4 ) ( لقمان : 13 ) . ولو صح ما ذهب إليه ابن خلدون وأبو عبيدة ، لما كانت حاجة الصحابة إلى تفسير الرسول صلى الله عليه وسلم . لكن تفسير الرسول للقرآن ، وقد ورد في الأحاديث الصحيحة ، بيانا لمعنى
--> ( 1 ) المقدمة ص 367 ط الأزهرية سنة 1930 . ( 2 ) " مجاز القرآن " - ط ثانية - دار الفكر . ( 3 ) " البرهان في علوم القرآن " للزركشي 1 / 284 ط الحلبي تحقيق أبو الفضل إبراهيم ، وقال الصيرفي : ولست أعرف إسناد هذا الحديث ، وإن صح ، فقد دل على أن النبي صلى الله عليه وسلم قد عرف ألسنة العرب . ( 4 ) " الاتقان " للسيوطي 2 / 330 و " البرهان " للزركشي 1 / 14 .